النشرةبارزحقوق الانسان

حقوق الإنسان.. ملف عالق بين تملّق الرياض ومصالح واشنطن

مرآة الجزيرة – زينب فرحات

ثمّة العديد من الملفات التي لا تزال عالقة بيد ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، منها ما يستطيع حله بتوقيع واحد، ومنها ما يتداخل مع مصالح الولايات المتحدة فيغدو هامش إرادته الشخصية فيه ضئيل، وربما منعدماً. لكن هناك واحد من الملفات الملحّة التي تتطلب التدخل المباشر من قبل ابن سلمان للبت به، لأنه يتعلق بكرامة شعب كامل، وبأمن المواطن وسلامته واستقراره وهو ملف حقوق الإنسان.

من الواضح أن محمد بن سلمان يعيش حالة رهاب حقيقية تجاه شعبه، حتى ضاعف سياسة القمع والإعتقال والإخفاء القسري إلى حد غير مسبوق، حاله حال جميع رؤساء وملوك الدول العربية الذين يهابون الثورات الحقيقية في مجتمعاتهم، أولاً بسسب وصولهم غير القانوني إلى مناصبهم، وثانياً بسبب سياسة التجويع التي يمارسونها تجاه شعوبهم. ولذا تكون حماية السلطة من طرف خارجي، عادةً ما يكون هذا الطرف هو واشنطن نظراً لتقاطع المصالح بين أولياء الشعوب العربية والأطماع الأمريكية في دولنا، والضحية طبعاً هم الشعوب.

وبالنظر إلى حجم التأثير الأمريكي على سياسات الرياض، سيختلف بطبيعة الحال تعاطي الأخيرة مع ملفاتها وشؤونها الداخلية والخارجية، مع تبدّل الإدارات الأمريكية. ومن هنا، يعوّل كثيرون على وصول الرئيس المنتخب جو بايدن لمعالجة محمد بن سلمان للملف الحقوقي، لا سيما الإفراج عن المعتقلين السياسيين، وإيقاف أحكام الإعدام التي صدرت ببعض النشطاء، أو تحسين ظروف اعتقال السجناء الحاليين بالحد الأدنى، خاصّة وأن بايدن كان قد وجّه انتقادات لاذعة للسلطات السعودية ولمحمد بن سلمان على خلفية الإنتهاكات التي يتم ارتكابها بحق النشطاء والمعارضين. وقد اتهم فريق حملة بايدن إدارة الرئيس السابق، دونالد ترامب بأنها “غضت الطرف عن انتهاكات حقوق الإنسان وإطالة فترة حرب اليمن الكارثية، التي راح ضحيتها عشرات الآلاف في صراع استمر ست سنوات”. ووعد الفريق الجديد في البيت الأبيض بإعادة ضبط كامل للعلاقات الأمريكية السعودية، يحتل فيها ملف حقوق الإنسان مكانة بارزة.

لكن السؤال هل حقاً لدى بايدن نوايا حقوقية لإحداث تأثير جدّي وفعّال على سياسة محمد بن سلمان؟ عموماً لا تزال الإجابة عن هذا السؤال مبكرة، إلا أنه لا بد من استعراض بعض المؤشرات والمسلمات أيضاً في طبيعة العلاقات الأمريكية السعودية. الشراكة الأمنية والتحالف الإستراتيجي بين البلدين في مواجهة محور المقاومة، بالإضافة إلى مبيعات السلاح، هي أمور تشكل جوهر العلاقات بين واشنطن والرياض، وأي قرار أو تغيير سياسي سيأخذ في الحسبان مصلحة هذه القضايا بالدرجة الأولى قبل أي قضية أخرى.

في ملف حقوقو الإنسان، ليس خفياً أنه ثمة تراجع كبير في عمليات الإعدام داخل “السعودية”، إذ يراعي فريق محمد بن سلمان صورة ولي الأمر في الدول الغربية، بعدما تلطخت بالكثير من الإنتهاكات التي تم ارتكابها سابقاً بحق نشطاء ومدافعين عن حقوق الإنسان، ومرد ذلك إلى استرضاء الأمريكيين لوصول محمد بن سلمان إلى سدة الحكم بشكل سلس، وهو أمر بات شبه محسوم نظراً لعمليات إقصاء المنافسين التي قام بها داخل القصر.

وفي خضم ذلك، تدفعنا التجارب السيئة لسياسة التملّق الإسترضائية للأمريكيين إلى عدم التفاؤل كثيراً. فسبق وأن رفع محمد بن سلمان الحظر المفروض على قيادة المرأة للسيارات، لكنه في نفس الوقت شن حملة اعتقالات طالت طليعة النشطاء المدافعين عن حقوق المرأة من نساء ورجال، وتحديداً أولئك الذين ناضلوا لوقت طويل لمنح المرأة حقها الطبيعي في قيادة السيارة. وفي وقت سمح محمد بن سلمان بالترفيه العام والإختلاط بين الجنسين، وإقامة الحفلات الغنائية والموسيقية، شنّ حملة صارمة استهدفت حتى أولئك الذين كانوا يعبرون عن آرائهم عبر الإنترنت، وازدحمت السجون بألوف جديدة من النشطاء والمعارضين ورجال الدين. وبطبيعة الحال لم يوجه ترامب أدنى اهتمام لمثل هذه القضايا، لأنه كان مهتماً بإبرام صفقات أسلحة مع الرياض واكتساب المزيد من الأموال.

وفي العودة للسؤال، هل حقاً سيكون بايدن جدياً في تحسين ملف حقوق الإنسان في السعودية في ظل الشراكة الإستراتيجية بين البلدين؟ يستطيع ذلك لو امتلك نوايا حقيقية لتحسين ظروف حقوق الإنسان في “السعودية” وفي العالم، لكن في إدارة ذات طابع سياسي براغماتي، قد يكون ذلك حلماً صعب المنال.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى